Tue 29, Nov 2016

يا أيها الشيعة: هل تعرفون الإمام زين العابدين؟

خاص خط تماس - غدي فرنسيس -

منذ أيام قليلة كتبت قطعة بعنوان : يا أيها الشيعة، هل تعرفون الحسين؟ وكالعادة تلقيت كيلاً من التخوين والتكفير والمزايدات لم تخدم إلا لتأكيد ما كتبت، أن الساحة تكاد تخلو من تلامذة الفكر الحسيني والعلوي. أتى مجمل الردود في إطار عاطفي كأن يقول المرء : نحن نولد بعشق علي، ونحن نكبر على حب الحسين، ومن أنتم لكي تحكموا علينا...

مبارك لكم هذا العشق ولكن أعزائي، لم يصلني أي رد ينطلق من العقيدة العلوية، ولا تلقيت مقالاً علمياً واحداً يشرح ظاهرة الشعائر العاطفية التي تبتعد عن جوهر المفهوم الشيعي.

بعدما راقب فريق خط تماس ردودكم، طلب مني زميلي مدير تحرير الموقع أن أطلق سلسلة علمية تعرفكم إلى أئمتكم، لعل العقل يكون أفضل جواب يواجه كل ما قلتم وما علّقتم. لكنني لن ألتزم تعليماته وذلك لعدة أسباب:

أولاَ، أنا لست مؤهلة لذلك

ثانياً، أنا لست مفوّضة بذلك

ثالثاً، أنا لا أتوق إلى ذلك

لكن توضيحاً لما نشر وتأكيداً على جوهر المقال، سأخبركم عن كتاب الإمام الخامنئي الذي فتّح عيني إلى عقيدتكم من الناحية السياسية.

منذ 3 أعوام أهداني صديق إيراني كتاب إسمه " إنسان بعمر 250 عام" للإمام الخامنئي، وهو يشرح ترابط المسيرة السياسية للأئمة ويلخّص دور كل منهم في زمانه ومكانه.

يبدأ الكتاب من شرح النبوءة المحمدية والرسالة التي أوصلها الرسول عليه السلام، حيث تم نقل القرآن بأمانة من الوحي الأعلى ليصبح مصحفاً مباركاً متوفراً بين أيادي الناس.

وبعد أن يعرّج الإمام الخامنئي إلى دور كل من السيدة الزهراء والسيدة زينب عليهما السلام، يمشي بتسلسل بين الأئمة ليشرح مرحلة وعصر كل منهم.

في هذا الكتاب فهمت أن الإمام علي تجلّى في كل الأئمة، من صلح الإمام المجتبى إلى ثورة الإمام الحسين، إلى صبر وبراغماتية الإمام زين العابدين وصولاً إلى غياب الإمام المهدي.

ما عرفته عنهم هو الترابط والتكامل والتميّز.

كان لكل من الأئمة دور مرتبط بظروف إمامته.

ذهب الإمام الحسن إلى الصلح مع معاوية لإرساء مفهوم أن الهدف ليس القتال إنما الإستقامة، وحين أجهض الخصوم كل محاولات الصلح، وقضى الإمام الحسن مسموماً، إنطلق الإمام الحسين إلى الثورة وهو على يقين بأنه يمضي نحو الشهادة.

استشهد الحسين لكي يسطّر الخلود بدمه، ولذلك كانت مواقفه يوم الواقعة في كربلاء بمثابة ميثاق جهادي بقي وعاش حتى يومنا هذا: "إن كان دين محمد لن يستقم إلا بقتلي ، فيا سيوف خذيني"

علمنا الحسين أن الشهادة خلود، ولعلها أعمق رسالة تحفر العقيدة وتؤكّدها.

شاء القدر والقوى الإلهية أن يكون الإمام علي زين العابدين مريضاً يوم الواقعة في كربلاء لكي يسلم منها، لكي يبقى للشيعة إمام. مع استشهاد والده، بات زين العابدين إمام الشيعة، واستلم الإمامة مع موكب سبايا ومشى أسيراً من العراق إلى الشام.

وهناك، حين وصل إلى الشام، كان مع عمته زينب أمام خيار النضال من الداخل، فعاش في الشام يقابل ظلم الحاكم الأموي ببلاغة وإيمان. مراسلات، خطب، تبشير، لمّ شمل شيعته وأسس لما سيحمل بعده إبنه الإمام الباقر.

إني أرى أن التحدي الذي واجه زين العابدين كان أقسى من الشهادة عينها، حيث حمل أمانة الإستمرار تحت أعتى الضغوط.

حين بدأت بالبحث عن الإمام زين العابدين، لفتني خطاب وجهه الإمام إلى أحد تلامذته الذي خان. لعل كتاب الإمام زين العابدين إلى ذلك الشخص، يفسّر تماماً عقيدته وأسلوبه السياسي بالمرونة مع الآخرين والثبات على الأساسيات. تعالوا نتأمل في هذه الرسالة اليوم، وغداً نستكمل بحثنا عن الأئمة...

 

 

نص رسالة الإمام زين العابدين إلى محمد الزهري، تلميذه الذي خانه وعمل لصالح السلطة....

« ... أما بعد .. كفانا الله وإياك من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نعم الله بما أصحَّ من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجة الله بما حمّلك من كتابه، وفقّهك من دينه، وعرّفك من سُنّة نبيه محمد صلى الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم، فرضي لك في كلِّ نعمة أنعم بها عليك، وفي كلِّ حجّة احتج بها عليك ..

فانظر أي رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله! فسألك عن نعمه عليك، كيف رعيتها؟ وعن حججه عليك، كيف قضيتها؟!

ولا تحسبنَّ الله قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير! هيهات .. هيهات! ليس كذلك إنّه أخذ على العلماء في كتابه إذ قال : ( لتبيننه للناس ولا تكتمونه )

واعلم أن أدنى ما كتمت، وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دُعيت.

فما أخوفني أن تبوء بإثمك غداً مع الخونة، وأن تُسأل عما أخذتَ بإعانتك على ظلم الظلمة! إنّك أخذتَ ما ليس لك ممن أعطاك، ودنوت ممن لم يردّ على أحد حقاً، ولم تردّ باطلاً حين أدناك، وأحببت من حادّ الله ... ».

« أوليس بدعائهم إياك حين دعوك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلّماً إلى ضلالتهم .. »

« داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ..

فما أقلَّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمّروا لك! فكيف ما خرّبوا عليك، فانظر لنفسك، فإنّه لا ينظر إليها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول ... انظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً؟

فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا )

 

بعدها يروح الاِمام السجاد عليه‌ السلام يحذّره الله والآخرة ، ويذكّره بما ينبغي أن يتذّكره ، أو يذكّر به فيقول:

 « إنّك لست في دار مقام، أنت في دار قد آذنت برحيل ... طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده. إحذر فقد نُبئت، وبادر فقد اُجّلت. إنّك تُعامل من لا يجهل، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل. تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو دينك فقد دخله سقم شديد ...

ولا تحسب أني أردتُ توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكني أردت أن يُنعش الله ما فات من رأيك، ويردّ إليك ما عزب من دينك، وذكرت قول الله تعالى: ( وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين ).

أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب .. اُنظر: هل إبتلوا بمثل ما ابتُليت به؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه؟ أم هل تراهم ذكرتَ خيراً أهملوه؟ وعلمت شيئاً جهلوه؟

بل حظيت بما حلَّ من حالك في صدور العامّة، وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك، إن أحللت أحلّوا، وإن حرّمت حرّموا، وليس ذلك عندك، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم، وغلبة الجهل عليك وعليهم، وحبّ الرئاسة، وطلب الدنيا منك ومنهم.

أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟! قد ابتليتهم، وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يُدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره، فالله لنا ولك، وهو المستعان ... ».

 

بعد ذلك يروح الاِمام السجاد محذّراً منذراً ، مذكّراً منبّهاً ، ينتقل من الدنيا إلى الآخرة ومن الاَرض إلى السماء ، ومن الغيب إلى الواقع ومن الواقع إلى الغيب ، لا تفوته إشارة إلاّ لمّح لها ولا يترك فراغاً إلاّ ملأه، فيقول :

« أما بعد ... فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلتحق بالصالحين الذين دُفنوا في أسمالهم، لاصقةً بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا تفتنهم الدنيا ولا يُفتنون بها.

فإن كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ، مع كبر سنّك ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنّه؟ الجاهل في علمه؟ المأفون في رأيه؟ المدخول في عقله؟! ... على من المعوّل؟ وعند من المستعتب؟ نشكو إلى الله بثّنا، وما نرى فيك! ونحتسب عند الله مصيبتنا بك ...

فاُنظر: كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً ..! وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً! وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً!! وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك ان تكون منه قريباً ذليلاً!!

مالك لا تنتبه من نعستك؟ وتستقيل من عثرتك؟ فتقول: والله ما قمت لله مقاماً واحداً أحييت به له ديناً! أو أمّتُ له فيه باطلاً!! أفهذا شكرك من استحملك؟! ما أخوفني أن تكون كما قال الله تعالى في كتابه:(أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً )

استحملك كتابه، واستودعك علمه، فأضعتهما! فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به! والسلام ...